هل وصل القرءان الكريم إلينا كاملاً وغير محرف بالتواتر، ومن الّذي جمعه وكتبه؟ (1)

Raed's picture
Author: Raed / Date: Wed, 02/22/2017 - 09:03 /

 

هل وصل القرءان الكريم إلينا كاملاً وغير محرف بالتواتر، ومن الّذي جمعه وكتبه؟ (1)

 

1. المقدمة:

يقول الّذين يسمون أنفسهم بعلماء الدين الإسلامي وما هم بذلك أنَّ عثمان ابن عفان هو الّذي جمع القرءان الكريم بعد وفاة الرسول محمد عليه السلام، وأنه قد وصل إلينا كاملاً وغير محرّف بالتواتر تمامًا كما وصل وحي السنَّة إلينا بواسطة علماء الأمة الإسلامية الّذين حافظوا عليه وحفظوه ونقلوه إلينا عبر الزمن ومنعوا تحريفه. إذًا فإنَّ تواتر علماء الأمة الإسلامية -الذين يسمون أنفسهم بالسلف الصالح "وما هم كذلك"- للقرءان الكريم عبر الزمن هو بظن وبزعم أكثر الناس السبب الأول والأخير لوصوله إلينا كاملاً وغير مُحرَّف.

إنَّ ما يقولونه هو أكبر كذب وافتراء على الله عز وجل وعلى كتابه وعلى قدرته على حفظ القرءان ومنع تحريفه. فالقرءان الكريم لم يصل إلينا كاملاً بسبب تواتره عبر الزمن، ولكنَّهُ وصل إلينا كاملاً من دون أي تحريف أو نقص فقط وفقط بمشيئة الله عز وجل وإرادته، فهو سُبحانه وتعالى السبب الأول والأخير في حِفظِه لكتابه من أي تحريف وفي وصوله إلينا كاملاً وغير محرف. فعثمان ابن عفان لم يجمعه لا قبل زمن الرسول محمد ولا بعده، لأنَّ الله عز وجل هو الّذي جمعه للرسول محمد عليه السلام، وكان مجموعًا بأكمله في زمنه وقبل وفاته، ولو لم يَكُن الأمر كذلك لما استطاع الرسول محمد والّذين ءامنوا معه تبليغ رسالة القرءان كاملة للناس في جميع أنحاء الأرض بالحق وبالطريقة الصحيحة. وإذا كان القرءان غير مجموع مِمًا يعني أنه كان ناقصًا في زمن الرسول، فكيف تعلم الرسول محمد والذين ءامنوا معه وكثير من الناس في ذلك الزمان رسالة القرءان؟ هل وحي القرءان الذي أنزله الله عز وجل إلى رسوله الأمين لم يكتمل؟ إذا كان هذا الأمر صحيحًا كما يقولون بهتانًا وزورًا، فأي جزء من أجزاء القرءان كان موجودًا آنذاك؟ وكيف أكمل الله عز وجل وحي القرءان بعد وفاة محمد، وعلى من نزل الوحي إذا لم يكن الرسول موجودًا؟ هل نزل الوحي على عثمان فاكتمل معه القرءان وجُمِعَ، أم على عمر، أم على أبو بكر، أم على عثمان، أم على علي؟ وهل يُعقل أن يكون القرءان ناقصًا وغير مجموع في زمن الرسول وبعدها يكون كاملاً ومجموعًا بعد وفاته؟! ما هذا الهراء!!!

إذا كان القرءان الكريم قد تواتر إلينا عبر الزمن جيلاً بعد جيل، فهذا لم يحصل إلاّ بمشيئة الله وإرادته وحده وحِفظِهِ له زمنًا تلو الآخر، لا بمشيئة الإنسان ولا بإرادته ولا بحِفظِهِ له بتداوله عبر الزمن كما يزعمون كذبًا وزورًا.

يقولون أيضًا بأنَّ الرسول محمد النبِيّ الأُمِيّ عليه السلام كان أُمِّيًّا يجهل القراءة والكتابة لذلك لم يكن يستطيع أن يكتب القرءان الكريم، ولذلك كتبه الصحابة في زمنه وأكملوا كتابته وجمعه بعد وفاته. إنَّ قولهم هذا هو أيضًا أكبر افتراء وكذِب على الله عز وجل وعلى كتابه العظيم القرءان الكريم وعلى رسوله محمد الأمين. لقد قالوا قولهم هذا ليتخذوه دليلاً حتى يُثبتوا بواسطته للناس أنَّ السنة لم يكتبها محمد ولم تتداول كتابةً (نصًّا) منه لأنّه كان أمِّيًّا لا يستطيع القراءة ولا الكتابة، بل الصحابة كتبوها وتداولوها نصًّا عن الرسول (قولاً منه)، تمامًا كما كتب الصحابة القرءان وتداولوه نصًّا عن الرسول (قولاً منه)، فيُثبتوا بذلك مصداقية وحي السنة بدليل تداولها بين الصحابة وتواترها بين الناس قولاً وكتابةً جيلاً بعد جيل، تمامًا كما كُتِب القرءان وتواتر بين الناس جيلاً بعد جيل.

 

2. هل نستطيع أن نشبه حفظ الله تعالى للقرءان بتواتر السنة؟

نحن لا نستطيع أن نُشبِّه قول الله عزَّ وجلّْ بقول البشر، ولا حتّى أن نقارن بينهما. ولا نستطيع أن نُثبت وجود وحجيّة "وحي سنة" بحجة أنَّ القرءان موجود. ولا نستطيع أن نقول أنَّ الدليل على أنَّ وحي السنة وصل إلينا بالتواتر هو أنَّ القرءان وصل إلينا أيضًا بالتواتر بزعمهم. فالقرءان المجيد هو قول الله عز وجل وليس قول البشر، ولذلك لا نستطيع أن نشبّه ما جاء عن الله من الله للبشر بإرادة الله ومشيئته وحِفظِهِ لهُ، بما تواتر عن البشر من البشر للبشر بإرادة ومشيئة البشر وحِفظِهِم لهُ. فالله عز وجل يحفظ قوله الحق (كتابه) ويجعله باقٍ في الأرض إذا أراد حتى انتهاء الحيواة فيها، ولكنه لا يحفظ أقاويل البشر (كتبهم) الباطلة ولا يقبل أو يرضى بها. ولو كان وحي السنَّة أو غيره من الشرائع الكاذبة، كالصلوات الخمس على سبيل المثال، قد وصلوا إلينا بتواترهم عير الزمن، لكان الله عز وجل أنبأنا عنهم في كتابه العزيز. بمعنى أوضح، لو كان الله عز وجل قد حفظ فعلاً وحي السنة بالتواتر، لكنا وجدنا على الأقل آية واحدة في القرءان الكريم تنبؤنا عن هذا الوحي المزعوم أو تخبرنا أنَّه تعالى حفظه بالتواتر، ولكان تعالى ذكر لنا تلك الآية أو حدَّثنا عنها أو أمرنا باتباعها أو فصَّلها لنا في القرءان الكريم، تمامًا كما وجدنا آية في سورة الحجر على سبيل المثال، قد نبأتنا أنه تعالى قد حفظ القرءان.

والدليل على ذلك قوله تعالى في تلك الآية، آية (9) من سورة الحجر:

سورة الحِجْرْ
إنّا نحن نزَّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ﴿٩﴾.

(لقد قال الله تعالى "إنّا نحن نزَّلنا الذكر وإنّا له لحافظون" ولم يقُل "إنّا نحن نزَّلنا الذكر والسنة وإنّا لهما لحافظون")

إنّا له لحافظون":
هذه الآية هي أكبر دليل على أنَّ الله عز وجل هو وحده سُبحانه الحافظ للقرءان الكريم والمانع له من أي تحريف عبر الزمن إلى زمننا هذا إلى يوم البعث. والسبب في ذلك هو، أنَّ القرءان الكريم هو آخر كتاب أراد الله عز وجل أن يُنزله، إذًا فبالتأكيد سوف يُبقيه تذكرةً لكل أمر لجميع الأمم في هذه الأرض إلى حين انتهائها، وبالتالي سوف يحفظه ويبقى حافظًا له من أي تحريف في هذه الأرض، وسوف يكون حافظًا له أيضًا في الدنيا والآخرة.
إنَّ حِفاظ الله عز وجل للقرءان بقوله تعالى "وإنّا له لحافظون" يعني أنَّهُ تعالى سوفَ يحفظ كل أمر ورد في كل آية من آياتِهِ، وسوف يكون حافظًا لأمرِهِ هذا أي فعّالٌ لهُ في الدنيا والآخرة، لأنَّ الله إذا أراد أن يقول لشيئ أو أمرٍ كُن، فإنَّ هذا الشيء أو الأمر سوف يكون كما أراده الله تعالى أن يكون، ولن يستطيع أحد أن يُبدِّلَ إرادته أو كلماته. فعلى سبيل المثال، إذا أراد الله عز وجل أن يكون القرءان الكريم آخر كتاب باقيًا في هذه الأرض، فسوف يكون هذا القرءان آخر كتاب باقيًا في هذه الأرض. وإذا أراد الله عز وجل أن يَصِل هذا القرءان إلينا عبر الزمن وبعد سنين طويلة، فسوف يصِل إلينا عبر الزمن وبعد سنين طويلة. وإذا أراد الله عز وجل أن يصل هذا القرءان إلينا كاملاً ومجموعًا عبر الزمن ومن دون أي تحريف، فسوف يصل إلينا كاملاً ومجموعًا عبر الزمن ومن دون أي تحريف، فلا أحد يستطيع أن يبدله أو يُحرفه أو يحتكره، ولا أن يُنقِص منه أو يزيد عليه، ولا أن يوقفه أو يمنع وصوله عبر الزمن، ولا أن يُبدِّل أو يمنع وصول كلماته وأحكامه وقوانينه وسُننهُ للأجيال الّتي سبقت وللأجيال الحاضرة والقادمة، ولا حتّى أن يُبدل أمره أو حكمه في الدنيا والآخرة، تمامًا كما بيَّنَ تعالى لنا في السُور التالية:

سورة البقرة
 بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿١١٧﴾.

سورة النحل
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٤٠﴾.​

سورة يس
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٨٢﴾ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٨٣﴾.

سورة غافر
هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٦٨﴾.​

سورة الأنعام
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣٤﴾.

سورة يونس
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٢﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿٦٣﴾ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٦٤﴾.

سورة الأنعام
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١١٥﴾.

سورة الكهف
... أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴿٢٧﴾.​

سورة لقمان
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٧﴾.

سورة النحل
مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾.

هكذا حفظ الله عز وجل القرءان من أي تحريف، لقد حفظهُ بكونِهِ حافظًا له. وإذا سلمنا بتواتر وحي السنة، نكون بذلك نُسلِّم بوجود وحيٌ آخر غير وحي القرءان نعترف به، وبالتالي نكون نُسلِّم ونعترف بوجود كتاب آخر غير كتاب القرءان أي بقرءان آخر غير هذا القرءان، وحُكم آخر غير حُكم القرءان، وكلمات أخرى غير كلمات القرءان، وحديث آخر غير حديث القرءان، وبالتالي علم آخر غير علم القرءان. وسؤالي لكل إنسان يُؤمن بهذا: هل هناك كتاب أو قرءان أو حُكمٌ أو كلمات أو حديث آخر أو علم آخر غير كتاب وحُكم وكلمات وحديث وعلم الله (القرءان الكريم)، وهل يُشرِكُ الرحمن في حُكمِهِ أحدًا كوحي السنة مثلاً، أو يُبدِّل كتابه وقرءانه وكلماته وحديثه بهذا الوحي المزعوم؟ وهو الّذي قال سُبحانه في آية (15، 16 و17) من سورة يونس،  وفي آية (26 و27) من سورة الكهف، وفي آية (6) من سورة الجاثية:

سورة يونس
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْءانٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٥﴾ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٦﴾ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴿١٧﴾.

سورة الكهف
... أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴿٢٧﴾.

سورة الجاثية
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾.

أريد أن أُنوِّهْ إلى أمر في غاية الأهمية، ألا وهو أنَّ حِفظ الله عز وجل للقرءان هو في الحقيقة حِفظ لحديثِهِ أي لجميع رسالاتِه وكُتُبِهِ الّتي أنزلها لجميع أنبياءِهِ ورُسُلِهِ من أوَّل الخلق إلى آخره. فالله تعالى نزّلَ الذِّكر (أي جميع الرسالات السابقة بما تحتوي عليه من قوانين وشرائع وسُنن وأحكام) وحفَظَهُ في الذِّكرِ نفسه (أي في القرءان) بإعادة تنزيل تلك القوانين والشرائع والسُنَنْ والأحكام السابقة فيه، تأكيداً لنا منه على أنَّه تعالى سوف يحفظ حديثه أي جميع ما نزَّله للعالمين من أول الخلق إلى آخره في هذا القرءان، ويكون حافظاً له أي فعّالٌ لَهُ إلى يوم القيامة، ولذلك قال الله عز وجل في آية (21 و22) من سورة البروج:

سورة البروج
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢﴾ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١٣﴾ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴿١٧﴾ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿١٨﴾ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ﴿١٩﴾ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴿٢٠﴾
  بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴿٢٢﴾.
(بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَجِيدٌ: لأنَّ فيه علم وحديث الله أي جميع الرسالات السابقة بما تحتوي عليه من قوانين وشرائع وسُنن وأحكام توصلنا إلى الجنة في الآخرة.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ: اللوح هو الصحيفة أي الكتاب أي القرءان. والألواح هي جمع اللوح وهي الصحف الّتي هي جمع صحيفة. إذاً فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ أي في القرءان نفسه محفوظ بإعادة تنزيل تلك القوانين والشرائع والسُنَنْ والأحكام السابقة فيه، تأكيداً لنا على أنَّ الله تعالى سوف يحفظ جميع ما نزَّله للعالمين من حديث من أول الخلق إلى آخره في هذا القرءان، ويكون حافظاً لحديثِهِ أي فعّالٌ لهُ إلى يوم القيامة. كدليل لما ذكرت قول الله عزّ وجل في السور التالية:

سورة البينة:
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿١﴾ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴿٢﴾ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴿٣﴾ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿٤﴾ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴿٥﴾).

سورة الأعراف
قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿١٤٤﴾ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴿١٤٥﴾.

سورة الأعراف
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴿١٥٤﴾.

سورة طه
وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ ﴿١٣٣﴾ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَىٰ ﴿١٣٤﴾.

سورة الأعلى
إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴿١٩﴾.

سورة عبس
كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿١٤﴾ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿١٥﴾ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴿١٦﴾.

 

إنَّ كل ما ذكرتُ لكُم في أعلاه يُثبت بل يؤكد لنا أجمعين أنَّ هذا القرءان قد نُقِلَ ووصَلَ إلينا بمشيئة الله وإرادته وحده لا شريك له وليس بحفظ السلف وعلماء الأمة الإسلامية له بتواتره عبر الزمن، ولا بمشيئتهم أو إرادتهم كما يدَّعون بهتاناً وزوراً في كتب الأحاديث والسنة الباطلة إفتراءً الكذب على الله عز وجل وعلى كتابه العزيز وعلى رسوله الأمين.​ بل أكثر من ذلك، القرءان هو ليس الكتاب الوحيد الّذي وُجِدَ وحُفِظَ حتى يومنا هذا إلى يوم القيامة، بل أيضاً جميع كُتُب ورسالات الله السابقة لجميع أنبيائه ورُسُلِهِ هي أيضاً موجودة في زمننا الحالي إلى يوم القيامة لأنها محفوظة في هذا القرءان وجزءٌ لا يتجزّأ مِنهُ. إذاً فالله تبارك وتعالى لم يحفظ فقط القرءان بل حفظ جميع كُتُبِهِ ورسالاته بِحِفظِهِ لهذا القرءان.

 

3. هل الذكر الّذي نزَّله الله وحفظه هو القرءان أم سنة محمد؟

أجمع جمهور الّذين يُسمون أنفسهم بعلماء وفقهاء الأمة الإسلامية وما هُم بذلك، على أنَّ الذِكر هو ما أنزله الله عز وجل وحيًا على محمد من سُنَّة. إذًا فالذكر حسب قولهم هو سنة محمد (المُسمّاة بالسُّنَّة) وليس القرءان. ولكننا إذا نظرنا في القرءان الكريم نجد ومن دون أدنى شكّْ الكثير من الآيات البينات الّتي تُبيِّن لنا بأنَّ الذكر هو ما أنزله الله تعالى وحيًا على رسوله الأمين محمد عليه السلام من قرءان وليس من سنّة خاصة بِهِ. إذًا فالذِّكر في التفسير القرءاني هو القرءان وليس السُنّة الباطلة الّتي يدعون. وهناك آيات في القرءان الكريم لا تُعد ولا تُحصى تُثبت لنا أنَّ الذكر هو القرءان، وأنا سوف أتلو عليكم بعضاً منها لأنها كافية لأن تبرهن لنا أنَّ الذكر هو فقط وفقط القرءان الكريم.

تلك الآيات نجدها في السُور التالية:
 

سورة ص
ص ۚ وَالْقُرْءانِ ذِي الذِّكْرِ ﴿١﴾ ... ﴿٧﴾ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ۖ بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ﴿٨﴾.​

(في آية (1) وصف الله عز وجل القرءان وعرَّفه بالذكر بدليل قوله: "وَالْقُرْءانِ ذِي الذِّكْرِ"، ولم يصف السُنّة بالذكر، فيقول مثلاً: "والسنّة ذات الذِّكر". إذاً الذِّكر هو صفة للقرءان وليس للسُّنة.
وفي آية (8) أراد تعالى أن يُبيِّن بل يؤكد لنا على أنَّ الذّكر الّذي أُنزِل على محمد هو القرءان، وأنَّ القرءان هو ذكر الله أو ذِكرٌ من الله وفيهِ تذكرة وتهديد ووعيد للعذاب الّذي لم يذوقوهُ بعد والّذي هُم في شكٍّ منه)

 

سورة فصلت
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴿٤١﴾ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿٤٢﴾ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴿٤٣﴾ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْءانًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٤٤﴾.

(أولاً، لقد عرَّف الله عز وجل الذِكر بكتابٍ عزيز، أي عرَّفه بالكتاب ولم يُعرِّفه بالسُنّة.
وثانيًا، هذا الكتاب العزيز ليس فيه أي علم باطل إن كان علمًا حاضراً (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) أو غائباً (مِنْ خَلْفِهِ) لأنه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد.
وثالثًا، إنَّ ما قاله الله تعالى لمحمد في هذا الكتاب العزيز الّذي لا يحتوي علومًا باطلة هو ما قاله لجميع الرُسُل من قبل محمد، مثالاً لذلك في هذه الآية أنَّ المغفرة والعقاب أي الجنة وجهنم أي الحُكم في الآخرة هو مسؤولية الخالق وحده، أي لا شفاعة ولا خلاص من مخلوق لمخلوق بدليل قوله تعالى "إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ"، مِمّا يُثبت لنا أنَّ الذِّكر الّذي أنزله تعالى على محمد هو نفس الذِّكر الّذي أنزله على جميع الرُسُل من قبل محمد. إذًا الذِّكر واحد والكتاب العزيز واحد والقرءان واحد أنزله الله تعالى من قبل على جميع الأنبياء والرُسُل بلغات أعجمية مختلفة، مع فارِق وحيد أنه تعالى أنزله من بعد لاحِقًا وأخيرًا قرءانًا عربيًا لا أعجمياً على محمد)

 

سورة الفرقان
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ﴿٢٥﴾ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ﴿٢٦﴾ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴿٢٧﴾ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿٢٨﴾ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴿٢٩﴾ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْءانَ مَهْجُورًا ﴿٣٠﴾ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ﴿٣١﴾.​

(نجد بأنَّ سبيل الرسول محمد (وجميع الرُسُل) هو الذِّكر الّذي جاء للظالم مع الرسول فرفض أن يتخذ معه سبيلاً في الدنيا، ولكنه اعترف به في الآخرة.
ونجد أنَّ سبيل الرسول الّذي هو الذِّكر هو هذا القرءان الّذي اتخذوه قومه مهجورًا في حياتهم الدنيا في هذه الأرض، ولن ينفعهم في شيء في الآخرة.
وإنَّ قول محمد الّذي سوف يقوله لريِّهِ عن قومه في الآخرة (شهادته الّتي سوف يشهد بها على قومه ويتبرأ منهم أمام الله في الآخرة): "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْءانَ مَهْجُورًا"، هو أكبر دليل على أنَّ الذِّكر الّذي كان سبيل الرسول محمد عليه السلام هو هذا القرءان الّذي هجره قوم محمد وما زالوا مُنفكين على هجره، وليس تلك السُنَّة الّتي اتبعوها وما زالوا مُنفكّين وعاكفين عليها.
لقد قال الرسول محمد عليه السلام في الآخرة وبكل وضوح:
"يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْءانَ مَهْجُورًا" ولم يقُل: "يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَه السُنَّة مَهْجُورةً"، وكذلك لم يقُل: "يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْءانَ والسُنَّة مَهْجُورين" أو "يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا الكتاب والسُنّة مَهْجُورين".
إذًا سبيل الرسول محمد هو الذِّكْر، والذِّكر الّذي هو سبيل الرسول محمد هو القرءان وليس السُنّة)

 

سورة القلم
وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴿٥١﴾ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٥٢﴾.

(مُختصر مُفيد: الذّكر هو ذِكرٌ للعالمين لأنَّ الله تعالى أنزله ذِكرٌ واحدٌ (رسالة واحدة ودينٌ واحد) للعالمين من أول الخلق إلى آخره، والقرءان في التفسير القرءاني هو ذِكرٌ للعالمين وليست السُنَّة. إذًا الذِّكر هو القرءان الكريم وليس السُنّة)
 

سورة الزخرف
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٤٣﴾ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴿٤٤﴾.

(الذِّكر هو ذِكر محمد وقومه، وهو ما أوحِيَ إلى محمد وجعله الله بِهِ على صِراطٍ مُستقيم. إذًا الذِّكر الّذي أوحِيَ إلى محمد هو وحي القرءان وليس وحي السُنّة، وهو الصراط المستقيم. ومحمد وقومه سوف يُسألون (يُحاسبون) في الآخرة على أساس القرءان وليس على أساس السنّة)
 

سورة يس
وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءانٌ مُبِينٌ ﴿٦٩﴾ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٧٠﴾.

(لقد قال الله تعالى: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءانٌ مُبِينٌ"، ولم يقل: "إِنْ هُما إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءانٌ مُبِينٌ"، مِمّا يدلنا بل يؤكد لنا على أنَّ الذِّكر هو مقرون بالقرءان، وأنَّهُ فقط وفقط القرءان المُبين وليس السّنّة الباطلة.
وهل السنة هي الّتي "تُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ بها عَلَى الْكَافِرِين" كما قال الله تعالى في آية (70)؟!)
 

سورة ق
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءانِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴿٤٥﴾.​

(لقد قال الله تعالى: " فَذَكِّرْ بِالْقُرْءانِ " ولم يقُل: "فَذَكِّرْ بِالْسُّنّة" أو "فَذَكِّرْ بِالْقُرْءانِ والْسُّنّة"، أو "فَذَكِّرْ بِالْكتاب والْسُّنّة". إذًا الذِّكر (أو التذكرة) هو القرءان وليس السُنّة)
 

سورة الطلاق
... فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴿١٠﴾ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴿١١﴾.

(نجد في تلك الآيات أنَّ الذِّكر الّذي أنزله الله تعالى إلى أولي الألباب هو ما تلاهُ الرسول محمد عليه السلام عليهم من آياتِ الله مُبيِّنات أي من شرائع وقوانين وسُنن وعلوم وأمثال وعبر لكي يُخرِج بها الّذين ءامنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور. إذاً الذِّكر هو آيات الله مُبيِّنات، أي هو القرءان الكريم وما يحتوي عليه من رسالات الله وكُتبِهِ (أحكامِهِ وشرائعه وقوانينه) الّتي أنزلها سابقاً على جميع أنبياءِهِ ورُسُلِهِ)
 

سورة الصافات
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ﴿١﴾ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ﴿٢﴾ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٣﴾ إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴿٤﴾ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ﴿٥﴾.​

(نجد في آية (3) أنَّ الله عز وجل يُقسِمُ "بِالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا"، أي يُقسِمُ بالملآئكة الّتي تتلو على الأنبياء والرُسُلِ ذِكرًا، أي تتلو وحيًا على الرُسُلِ ذِكراً، أي تُنزِّلُ من السماءِ ذِكرًا،  أي توحي للرُسُلِ ذِكرًا، أي توحي للرُسُلِ الرسالات، أي توحي لمحمد القرءان. إذًا الذِّكرْ المتلو من الملآئِكة على محمد وجميع رُسُل الله هو وحي القرءان الكريم وليس وحي السُنّة. وفيهِ وبِهِ يُذكِّرُنا بأنَّ "إلاهُنا لواحد" وأنه "رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ"، فهو الخالق الّذي أوجد الخلق وبالتالي وحده المسؤول عن السماوات والأرض وما بينهما، وعن جميع النجوم والكواكب والمجرات.. إذًا في تلك الآيات يُخبرنا هذا الذّكر المتلو من التاليات (الملآئكة) بأنَّ الدين واحِدٌ لجميع الأمم، لا أديان ولا أحزاب ولا طوائِف ولا سُنن ولا شرائِع مُختلفة، لقولِهِ تعالى في آية (4 و5): "إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ")
 

سورة المرسلات
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ﴿١﴾ فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ﴿٢﴾ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ﴿٣﴾ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ﴿٤﴾ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٥﴾ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿٦﴾.​

(نجد في آية (5) أنَّ الله عز وجل يُقسِمُ "بالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا"، أي يُقسِمُ بالملآئكة الّتي تُلقي على الأنبياء والرُسُلِ ذِكراً، أي تُلقي وحيًا على الرُسُلِ ذِكرًا، أي تُنزِّلُ من السماءِ ذِكرًا، أي توحي للرُسُلِ ذِكرًا، أي توحي للرُسُلِ الرسالات، أي توحي لمحمد القرءان. إذاً الذِّكرْ المُلقى من المُلقيات (الملآئِكة) هو وحي القرءان الكريم. وفي تلك الآيات يُخبرنا هذا الذكر ويُذكِّرُنا بالآخرة والحساب أي بالجنة وجهنم، لقوله تعالى في آية (6): "عُذْرًا أَوْ نُذْرًا": عُذْرًا (المغفرة أي الجنة)، ونُذْرًا (العقاب أي جهنم))
 

سورة القمر
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿١٧﴾.​

(لقد قال الله تعالى: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ" ولم يقُل: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا السُنَّة لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ". إذًا الذِّكر الّذي يجب علينا أن ندّكِرَهُ أي نتذكّرهُ هو القرءان الّذي يسَّره الله عز وجل وليس السُنَّة)
 

سورة الشعراء
طسم ﴿١﴾ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٣﴾ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴿٤﴾ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴿٥﴾ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿٦﴾.​

(نجد من خلال تلك الآيات أنَّ الذِّكرْ هو "آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ" الّتي رفضوا أن يؤمنوا بها والّتي فيها أنباء ما أعرضوا عنه وما كذبوا واستهزؤا بِهِ عمّا سوف يُحدِثهُ الرحمن عز وجل من إعادة خلقِهِ لحيواة في الآخرة أي للحساب وللجنة ولجهنم. إذًا الذِّكر هو القرءان الكريم وليس السنة)

 

سورة ص
هَٰذَا ذِكْرٌ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴿٤٩﴾ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ ﴿٥٠﴾ ... ﴿٥٤﴾ هَٰذَا ۚ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴿٥٥﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿٥٦﴾.​

(نجد ويوضوح شديد أنَّ الذِّكر هو "هَٰذَاالّذي (أو ما) ذكرهُ الله عز وجل لنا في تلك الآيات عن مصير المتقين وعن مصير الطّاغين في الآخرة. إذاً الذِّكر هو "هَٰذَا" القرءان الكريم وليس السُنّة)

 

سورة الزخرف
حم ﴿١﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٣﴾ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴿٤﴾ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴿٥﴾ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ﴿٦﴾ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿٧﴾ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَىٰ مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ﴿٨﴾.

(نجد في تلك الآيات البينات أنَّ الذِّكر هو ما ضربه (أي منعه) الله عز وجل صفحًا (أي منعاً) عن القوم المُسرفين. وهو الكتاب المُبين، القرءان العربي (جميع رسالات الله) الّذي هو أمّ الكتاب لدى العليٌ الحكيم أي لدى الله (أي هو تعالى منبعه وأصله)، والّذي أرسله إلى جميع النبيين في الأولين. إذًا الذِّكر هو رسالة القرءان أي جميع رسالات الله وليس السنّة)

 

سورة آل عمران
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٥٥﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴿٥٦﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿٥٧﴾ ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴿٥٨﴾ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٥٩﴾ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿٦٠﴾ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴿٦١﴾ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦٢﴾.

(لقد قال الله عز وجل في آية (58): "
ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴿٥٨﴾".
السؤال الّذي يجب أن يُطْرَح هنا هو، ما هو "ذَٰلِكَ" الشيء "الّذي تلاه الله تعالى على محمد
الجواب وبكل وضوح نجده في نفس الآية، ألا وهو "ما تلاه الله تعالى على محمد من الآياتِ والذِّكرِ الحكيم".
وما هو "ذَٰلِكَ الّذي تلاهُ الله على محمد مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
الجواب نجده في الآيات الّتي تسبق آية (58) وفي آية (59) الّلاحقة لآية (58)، في قوله تعالى:
"إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٥٥﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴿٥٦﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿٥٧﴾ ... ﴿٥٨﴾ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٥٩﴾".
من خلال بيان تلك الآيات، نجد وبكل وضوح أنَّ الذِّكر الّذي تلاه الله تعالى على رسوله الأمين محمد هو آيات الذِّكر الحكيم أي آيات الإنجيل الحكيم الّتي تقُصُّ علينا من ربِّنا بالحق عن نبأِ عيسى عليه السلام، عن مثلِ كيفية خلق الله تعالى له، وعن ما قاله له وحيًا في الإنجيل في الماضي، بهدف أن يُبيِّن لنا أنَّ عيسى في الإنجيل الحقّْ هو نبي ورسول الله، توفّاهُ الله تعالى (إذًا فهو بشر يموت كباقي البشر) ورفعهُ إليه (أعطاهُ الجنة) وطهَّرَهُ (من خلال ذِكرِهِ في القرءان) تمامًا كباقي الرُسُل. وأنه خلقهُ من رحِم أمه مريم عليها السلام من دون تزاوج (من دون أب) بتلقيح بويضة مريم، يعني خلقهُ "من نطفةٍ إذا تُمنى"، تمامًا كما خلق آدم (البشر) من رحم التراب من دون تزاوج (من دون أب وأم) بتلقيح خلية أنثوية بأخرى ذكورية، وأيضًا "من نطفةٍ إذا تُمنى". فيُؤكد لنا بذلك أنَّ عيسى في الإنجيل الحقّْ هو ليس إلاهًا، يعني هو ليس بالآب ولا بالإبن ولا بالروح القُدُس، وأنْ لا وجود في الإنجيل الحقّْ لشفاعة عيسى (الخلاص) في الآخرة، لأنَّ الحُكم في دخول الجنة أو جهنم هو فقط لله وحدهُ لا شريك له بدليل أن "مَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا هو"، إذًا هُوَ وحدَهُ يكون "الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" الّذي يُدخِلنا الجنة.
لذلك أكمل الله تعالى بقوله في الآيات التالية:
"الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿٦٠﴾ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴿٦١﴾ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦٢﴾".
إذًا، "الذِّكر" هو "ما جاء محمد من العلم" الّذي هو "الحقّ من ربِّهِ"، وهذا العلم الحقّ هو ما "تلاهُ عليه من الآيات والذِّكر الحكيم" "فقصَّهُ عليهِ بالحق"، وبالتالي هو آيات الإنجيل الحكيم المحفوظة والموجودة في القرءان الكريم وليس السُنَّة)

 

سورة النحل
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٤٣﴾ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٤﴾.

(من هُم "أهل الذكر"؟ هُم الرجال الّذين أوحى الله عز وجل إليهم رسالاتِهِ وكُتُبِهِ (البينات والزُبُروأرسلهم من قبل الرسول محمد إلى جميع الأمم بها. أي هُم جميع الأنبياء والرُسُل السابقين الّذين أوحى الله تعالى إليهم الذِّكر، ولذلك لقَّبهم الله تعالى ب "أَهْلَ الذِّكْرِ" وهُم أهل الكتاب.
بماذا نسألهم؟ نسألهم بالبيِّناتِ والزُبُرْ أي برسالات الله وكُتُبِهِ الّتي أنزلها وحيًا عليهم في السابق.
كيف نسألهم بالبيِّنات والزُبُر وهُم في عِداد الأموات؟ نسألهم من خلال كُتُبهم ورسالاتهم الّتي أنزلها الله تعالى عليهم في السابق وأعاد تنزيلها على محمد لاحقًا في القرءان وحفظها فيه، أي نسألهم عن رسالاتهم من القرءان نفسه. فنسأل عمّا قال موسى في التوراة من توراة موسى الّتي حُفِظت في القرءان، ونسأل عمّا قال عيسى في الإنجيل من إنجيل عيسى الّذي حُفِظ في القرءان. ولذلك أكمل الله بقولِهِ في آية (44): "وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّڪۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡہِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ"، لِكَيْ يُعلمنا أنَّهُ تعالى أنزل إلى محمد الذِّكر أي القرءان بما فيهِ من توراة وإنجيل وجميع كُتُب ورسالات الله السابقة، لِكَيْ يُبيِّنَ للناسِ أي لجميع الأمم، ما نُزِّلَ إليهم أي ما نُزِّل إلى ءابآئِهِم وأمَّتِهِم في السابق من توراة وإنجيل وجميع رسالات وكُتُب الله "لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ".
إذًا الذِّكر هو القرءان وليس السُنَّة. وهو الّذي يُبيِّن لجميع الناس ما نُزِّلَ إليهم (جميع كُتُبِهِم السابقة)، لأنّ جميع تلك الكُتُب كانت قد حُرِّفت عبر الزمن قبل نزول القرءان، فأعاد الله تنزيلها وحفظها لجميع الناس في القرءان. ولذلك ختم تعالى بقولِهِ: "وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ")

 

سورة الأعراف
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥٩﴾ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٦٠﴾ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦١﴾ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦٢﴾ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٦٣﴾ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴿٦٤﴾.​

(مُختصر مُفيد: الذِّكر هو رسالات الله عز وجل، وهي الآيات الّتي أوحاها الله عز وجل إلى رسولِهِ الأمين نوح عليه السلام لكي يُبلِّغُها لقومِهِ بهدف أن يُنذرهم  "بعذابِ يومٍ عظيم" (عذاب الآخرة جهنم)، بهدف أن يعبدوا الله وحدهُ فلا يُشركوا به شيئًا، وليتَّقوا ولعلَّهُم يُرحمون فيدخلون الجنة. وهذا الذّكر أو النذير الّذي أوحاهُ سابقًا إلى نوح، أوحاهُ عن نوح لاحقًا إلى محمد في القرءان الكريم من خلال تلك الآيات.
إذًا الذِّكر هو القرءان الكريم وهو رسالات نوح وليس السنة)

 

سورة الأعراف
وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٦٥﴾ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٦٦﴾ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦٧﴾ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴿٦٨﴾ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٦٩﴾ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٧٠﴾ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴿٧١﴾ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٧٢﴾.​

(مُختصر مُفيد: الذِّكر هو رسالات الله عز وجل، وهي الآيات الّتي أوحاها الله عز وجل إلى رسولِهِ الأمين هود عليه السلام لكي يُبلِّغُها لقوم عاد (قومه) بهدف أن يُنذرهم بعذاب الآخرة جهنم، بهدف أن يعبدوا الله وحدهُ فلا يُشركوا به أديان كاذبة (كُتُب وقصص وشرائِع مختلفة) سمّوها (صنعوها) هُم وآباءهم "ما نزَّل الله بها من سلطان"، وليذكروا آلآء الله (نِعَمه، رسالاته السابقة الّتي أنزلها سابقاً وأرسلها إليهم لاحقاً مع هود) ولعلَّهُم يُفلِحون فيدخلون الجنة. وهذا الذّكر أو النذير الّذي أوحاهُ إلى هود، أوحاهُ قبلاً إلى نوح، وأوحاهُ بعداً إلى جميع الرُسُل، وإنتهاءً بمحمد في القرءان الكريم من خلال تلك الآيات.
إذًا الذِّكر هو القرءان الكريم وهو رسالات هود وليس السُنَّة)

 

سورة الأنبياء
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴿١﴾ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿٢﴾ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿٣﴾.

(لقد بدأ الله عز وجل آيات سورة الأنبياء بالتحدث عن الحساب (جهنم). "الذِّكر المُحدَث" الّذي "استمعوهُ الناس وهُم يلعبون" هو ما ذكَّرهُم وأنبأهم به القرءان الكريم من ربِّهم وما أحدث لهُم منه ذِكرا عن أحداث الدنيا والآخرة، وبالتالي عَمّا سوف يحدث لهم في الآخرة، أي عن الحساب والجنة وجهنم. وفي آية (1) ذكَّرهم ربُّهُم ب"الحساب الّذي اقترب وهُم في غفلةٍ مُعرضون". وهُم بدلاً من أن يستمعوا للقرءان (الذِّكر) وهُم يُنصتون لعلهم يُرحمون فيدخلون الجنة بدلاً من جهنم كما أمرهم الله تعالى في آية (204) من سورة الأعراف بقوله: "وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون"، هُم للأسف "إستمعوهُ وهُم يلعبون". كيف استمعوهُ وهُم يلعبون؟ الجواب نجده في آية (3): "لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ".
إذًا الذِّكر الّذي هُم في غفلةٍ عنه معرضون والّذي استمعوه وهُم يلعبون لاهيةً قلوبهم هو القرءان الكريم وليس السُنَّة)

قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٤﴾ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ﴿٥﴾ مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٧﴾ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ﴿٨﴾ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ﴿٩﴾ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٠﴾
("أهل الذكر" هُم الرجال الّذين أوحى الله عز وجل إليهم رسالاتِهِ وكُتُبِهِ (البينات والزُبُر) تماماً كما أوحاها إلى محمد، وأرسلهم بها من قبل الرسول محمد إلى جميع الأمم السابقة. أي هُم جميع الأنبياء والرُسُل السابقين الّذين أوحى الله تعالى إليهم الذِّكر، ولذلك لقَّبهم الله تعالى ب "أَهْلَ الذِّكْرِ".
ويجب علينا أن نسألهم من خلال كُتُبهم ورسالاتهم (الذِّكر) الّتي أنزلها الله تعالى وحيًا عليهم في السابق وأعاد تنزيلها وحيًا على محمد لاحقًا في القرءان بهدف أن يحفظها فيه. فنسألهم عن رسالاتهم الصحيحة من القرءان، لأنّها كانت قد حُرِّفت عبر الزمن قبل نزول القرءان بحجة أنها أتت على لسان الرُسُل كذبًا وافتراءً عليهم، فنسأل عن قول موسى الحق عن علم السماء والأرض وعمّا سوف يحدُثُ في الدنيا والآخرة من توراة موسى الّتي حُفِظت في القرءان وليس من سنة موسى، ونسأل عن قول عيسى الحق عن علم السماء والأرض وعمّا سوف يحدُثُ في الدنيا والآخرة من إنجيل عيسى الّذي حُفِظ في القرءان وليس من سنة عيسى.
ولقد أراد الله تعالى أن يُعلمنا من خلال تلك الآيات عمّا قاله لجميع أنبياءِهِ ورُسُلِهِ من علم في السماءِ والأرض، عن الدنيا والآخرة، وعن الحساب والعذاب، بدليل جوابِهِ لهم في آية (4): "قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ". ولذلك أكمل الله تعالى بقولِهِ في آية (8): "وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ"، لكي يُعلمنا أنهم ليسوا بآلهة، وأنهم بشرٌ مثلنا يأكلون الطعام وليسوا بخالدين، فهم سوف يموتون ويُحاسبون مثل باقي الناس في الآخرة بدليل قوله في آية (9): "ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ". وأيضاً بدليل قوله لنا في آية (10): "لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، وهنا أراد الله تعالى أن يدلنا ويؤكد لنا أنَّ القرءان الكريم فيه ذِكرُنا، أي فيه التوراة والإنجيل وجميع كُتُبِهِ ورسالاته السابقة التّي أرسلها إلى ءابآئِنا السابقين (جميع الأمم السابقة)، لكي يُذكِّرُنا عمّا سوف يحدُثُ لنا من عذاب في الدنيا والآخرة، بهدف أن نعقِل فنحذر عذابهُ. لذلك أكمل تعالى بقوله في الآيات التالية:)
وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ﴿١١﴾ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ﴿١٢﴾ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴿١٣﴾ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿١٤﴾ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ﴿١٥﴾ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴿١٦﴾ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ﴿١٧﴾ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴿١٨﴾ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴿١٩﴾ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴿٢٠﴾ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴿٢١﴾ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٢٢﴾ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴿ ٢٣ ﴾ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٢٤﴾ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴿٢٥﴾​ ... ﴿٣٥﴾ وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿٣٦﴾​ ... ﴿٤٧﴾ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٨﴾ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴿٤٩﴾ وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴿٥٠﴾​ ... ﴿٨٢﴾ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿٨٣﴾ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ ﴿٨٤﴾ ...​ ﴿١٠٤﴾ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴿١٠٥﴾ إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴿١٠٦﴾ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٧﴾.
("هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ۗ": هذا (أي القرءان) هو ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ لأنّه ذِكر جميع الناس الّذين وُجِدوا مع الرسول محمد عليه السلام، 
وهذا (أي القرءان) "ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي" لأنّه ذِكر جميع الأمم والناس الّذين وُجِدوا في الأزمان السابقة مع الأنبياء والرُسُل السابقين قبل الرسول محمد عليه السلام. إذًا هذا القرءان الّذي هو ذِكْرُ مَنْ مَع الرسول محمد عليه السلام وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِهِ هو كتاب جميع الأنبياء والرُسُل وجميع الأمم والناس وليس فقط كتاب محمد وأمَّته، فالإلآه واحد، إذاً الكتاب واحد والدين (أي القانون والحُكم) واحد، ولذلك أكمل الله عز وجل حديثه في الآية الّتي تليها بقوله فيها: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ".
وإذا تابعنا الآيات من آية (36) إلى آية (107) نجد وبكل وضوح:
أنَّ الذكر الّذي أعرض عنه الكافرون هو القرءان وليس السنة.

وأنَّ الذكر الّذي آتاه سابقاً لموسى وهارون هو الفرقان أي التوراة السابقة. إذاً الذكر هو التوراة وليس السنة.
وأنَّ هذا الذكر المبارك الّذي أنزله على محمد فنكروه هو القرءان وليس السنة.
وأنَّ الذكر الّذي كشف به ضُرّْ أيوب والّذي آتاه إياه رحمة وأهله ومثلهم معهم من العابدين هو وحي الآيات الّتي أوحاها لأيوب، أي هو رسالة أيوب. إذاً الذكر هو رسالة أيوب وليس السنة.
وأنَّ الزبور هو الكتاب الّذي كتب الله عز وجل فيه من بعد الذكر (من بعد الرسالات السابقة) ما أنزله سابقاً إلى جميع الأمم السابقة، بهدف أن يذكر جميع الأمم والناس (العالمين) أنَّ الأرض (الجنة) يرثها (يدخلها) فقط عباده الصالحون. لذلك أكمل تعالى بقوله في الآيات التالية: "إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴿١٠٦﴾ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٧﴾". إذاً الزبور هو القرءان، والقرءان هو الذكر وليس السنة)

 

سورة المؤمنون
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿٦٨﴾ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴿٦٩﴾ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ۚ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴿٧٠﴾ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴿٧١﴾.

(ذكرهم الّذي ءاتاهم الله عز وجل به والّذي أعرضوا عنه هو دينهم الحق، وهو قوله تعالى الّذي جاءهم به وءآتاهم إياه بواسطة رسولهم محمد تماماً كما آتى ءآباءهم الأولين بهدف أن يُبيِّنَ لهم دينهم الحق ويذكرهم به فيمحو به أديانهم الباطلة. ولكن أكثرهم كرهوا دين الله الحق ورفضوا تدبره وإقامته (تطبيقه في الأرض) وأعرضوا عنه، ونكروا بذلك رسولهم محمد بحجة أن به جنة (أي مجنون)، لأنهم وجدوا أن هذا الدين لا يتماشى مع أهواءهم (أي مع ما تحل لهم أديانهم الباطلة من فساد وظلم وفسق وفجور)، من أجل ذلك أكمل تعالى بقوله: "وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ".
إذاً الذكر هو القول وهو الحق وهو القرءان وليس السنة)

 

سورة الزخرف
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴿٣٦﴾ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٣٧﴾.​

(ما هو ذكر الرحمن؟ هل هو القرءان أم السنة؟ أرجو منكم أن تجيبوا بأنفسكم على هذا السؤال الّذي من المفترض أن يكون جوابه واضحاً وبيِّن للجميع)

 

سورة يوسف
ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴿١٠٢﴾ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٣﴾ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٤﴾ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥﴾ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴿١٠٦﴾.

(نجد أنّ الذي هو ذكر للعالمين هو القرءان الكريم الّذي يذكرنا بأنباء الغيب الّتي أوحاها الله تعالى لمحمد لكي يبلغها من دون أجر للعالمين. وفي تلك الآيات نجد أن أنباء الغيب تحدثنا عن تاريخ مضى (الماضي) أي عن رسالة يوسف وفيها قصة يوسف مع إخوته، بهدف إظهار الغيب الحق الّذي هو ما حصل في الماضي مع يوسف وإخوتِهِ ورسالتِهِ، بهدف إظهار دين يوسف الإسلام الحق وأخذ العبرة منه للحث على الإيمان بدين الله وحده وعدم الإشراك به أديان باطلة، ولذلك قال الله تعالى: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ" وأكمل بقوله: "وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ، وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ". إذاً الذِّكر هو آيات الله في السماوات والأرض الّتي هي القرءان وليس السنة)
 

سورة ص
قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴿٨٦﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٨٧﴾ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴿٨٨﴾.

("وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ": وَلَتَعْلَمُنَّ ما أتى به الذِّكر للعالمين في الآخرة، أي وَلَتَعْلَمُنَّ ما أتى به القرءان في الآخرة، أي وَلَتَعْلَمُنَّ تأويله في الآخرة. إذاً نبأ الذِّكر هو القرءان وليس السنة)

 

سورة طه
مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ ﴿٢﴾ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ ﴿٣﴾.
(القرءان الّذي أنزِلَ على محمد هو تذكرة أو ذِكر لمن يخشى أن يشقى في جهنم. إذاً القرءان هو الذِّكر وليس السنة)

أمّا بالنسبة للآيات التالية، فهي ليست بحاجة إلى تدبر وتفكُّر مني لتبيان معنى الذكر، وسوف أترك تدبرها وتفكرها لكم:
 

سورة القلم
وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴿٥١﴾ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٥٢﴾.​

 

سورة التكوير
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿٢٠﴾ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴿٢١﴾ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴿٢٢﴾ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴿٢٣﴾ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴿٢٤﴾ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴿٢٥﴾ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴿٢٦﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٢٧﴾ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٩﴾.​

 

سورة الواقعة
أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴿٧١﴾ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ﴿٧٢﴾ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ﴿٧٣﴾.
 

سورة الحاقة
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴿١١﴾ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴿١٢﴾ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿١٣﴾ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴿١٤﴾ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿١٥﴾.
 

سورة الحاقة
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿٤٠﴾ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ﴿٤١﴾ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٣﴾ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ﴿٤٤﴾ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴿٤٥﴾ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴿٤٦﴾ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴿٤٧﴾ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٨﴾ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ﴿٤٩﴾ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٥٠﴾ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ﴿٥١﴾ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٥٢﴾.
 

سورة المزمل
إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا ﴿١٢﴾ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٣﴾ يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا ﴿١٤﴾ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا ﴿١٥﴾ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ﴿١٦﴾ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴿١٧﴾ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ۚ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ﴿١٨﴾ إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا ﴿١٩﴾.

 

سورة المدثر
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴿٣٨﴾ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴿٣٩﴾ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٤٠﴾ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ﴿٤١﴾ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿٤٢﴾ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴿٤٣﴾ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴿٤٤﴾ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴿٤٥﴾ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿٤٦﴾ حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ ﴿٤٧﴾ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴿٤٨﴾ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴿٤٩﴾ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴿٥٠﴾ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴿٥١﴾ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴿٥٢﴾ كَلَّا ۖ بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ ﴿٥٣﴾ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴿٥٤﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿٥٥﴾ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴿٥٦﴾.
 

سورة الانسان
إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ﴿٢٧﴾ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ﴿٢٨﴾ إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا ﴿٢٩﴾.
 

سورة عبس
كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿١٤﴾ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿١٥﴾ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴿١٦﴾.

 

سورة الأعلى
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَىٰ ﴿٩﴾ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَىٰ ﴿١٠﴾ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿١١﴾ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ ﴿١٢﴾.

 

سورة الفجر
كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴿٢١﴾ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴿٢٢﴾ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ ﴿٢٣﴾ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴿٢٤﴾.

للمزيد من المعلومات عن مفهوم " الذّكر في القرءان الكريم "، رجاءً إضغطوا على الرابط أدناه:
http://trueislamfromquran.com/quran-short-letters-2

 

4. لماذا حفظ الله تعالى هذا القرءان، ولم يسمح بتحريفه كالكتب السابقة؟ وهل من العدل أن يُحفظ القرءان وتزول الكُتُب والرسالات السابقة؟

إنَّ أمنية أكثر الناس هي أن يُحرَّف هذا القرءان المجيد الحق، أو أن يُمحى ويُنسَخ، أو أن يزول نهائيًّا فيختفي عن وجه هذه الأرض. ولو أراد الله عز وجل أو شآء ذلك لسمح بأن تكون إرادة الناس في تحريفه ونسخه وإزالته مفعولة، ولتركهم يفعلون في هذا القرءان ما يشاؤون، تمامًا كما ترك جميع الأمم السابقة يحرفون التوراة والإنجيل وجميع الصُحُف والرسالات السابقة بإرادتهم، وتركهم يفعلون ذلك من دون أن يتدخل أو يحكم لمنعهم، لحكمة شآءها وأرادها سُبحانه وتعالى أن تكون، ألا وهي أنه تعالى حَرَّم عليهم الكتاب عقابًا لهم وجزاءً لبغيهم وظلمهم وكفرهم، وإرادتهم في تحريف الكلم عن مواضعه، فمن كان يريد الضلالة استجاب له الله وجعله يعيش في الضلالة. ولكنَّه تعالى حفظ هذا القرءان ولم يسمح بتحريفه لأنه أراد أن لا يبعث من بعده كتابًا (رسولاً) يُصدِّق لاحِقاً به كما فعل مع الأمم السابقة، فهو آخر كتاب أراد تعالى أن يُرسِله، فيُصبِح بالتالي محمد هو آخر رسول مُرسَل من عند الله. وبما أنَّ إرادة الله عز وجل هي أن يكون هذا القرءان آخر كتاب يُنزله وأن يكون محمدًا آخر رسول يبعثه، حفِظ تعالى هذا القرءان لكي يكون هُدىً في الأزمان القادمة لجميع الأمم اللاحقة الّتي سوف تأتي من بعد محمد حتّى انتهاء الجنس البشري في هذه الأرض. وإنَّ حِفظ القرءان هو ليس حِفظ لرسالة محمد فحسب، ولكنه في الحقيقة حِفظٌ لجميع كتب ورسالات الله السابقة، جلَّ الله في عُلاه. هذا يدلنا على أنَّ جميع الكتب والرسالات السابقة لم تزول ولن تزول حتّى ولو أنها حُرِّفت في الماضي، وحتّى لو ظننّا ذلك بسبب تحريفها، لأنَّ الله عز وجل حفظها حين حفظ القرءان، ولقد حفَظ القرءان بهدف أن يحفظ جميع تلك الرسالات فيُزيل عنها التحريف الّذي لحِقَ بها، فيُعيد سُننها وأحكامها وشرائعها وقوانينها الواحدة. ولذلك كان قول الله تعالى في آية (40) من سورة الأحزاب أنَّ محمداً هو رسول الله (أرسله بهذا القرءان)، وأنّهُ خاتم النبيّين أي آخر نبي أراد تعالى أن يبعثه "تَتْرا" أي من بعد الرُسُل وعلى نفس خُطاهُم مُصدِّقاً بجميع الأنبياء والرُسُل السابقين، وخاتماً لجميع رسالات الله السابقة بسُننِها وأحكامها (أي مُبلِّغاً لها)، لكي يؤكد لنا أنّهُ تعالى لن يبعث برسولٍ آخر من بعده يُصدِّق ويحفظ الرسالات السابقة، لأنه خاتم النبيّين أو النبي الخاتم أي آخر نبي إصطفاهُ الله ليكون رسولاً مُبلِّغاً لجميع رسالاته الماضية والحاضرة والمستقبلية، ومن أجل ذلك حفظ الله تعالى هذا القرءان ومنع تحريفه.

سورة الأحزاب
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴿٤٠﴾.

 

5. كيف تم تداول هذا القرءان مع ترتيلِهِ (تفسيرِهِ) الصحيح، وكيف تم انتشاره بين الناس، في زمن الرسول محمد؟  

لم تكن توجد مطابع يُطبع فيها هذا القرءان ويُنشر بين الناس في زمن الرسول محمد عليه السلام، ولم يكُن هذا القرءان حاضراً بعد للجميع، لذلك كان القرءان الكريم أو تفسيرها هو دَيْن يتداينه المؤمنون والمؤمنات بينهم إلى أجلٍ مُسمّى أي إلى حين يُفكّ هذا الدَّيْن ويُدفع، أي كان أمانة في عُنق الرسول محمد عليه السلام  أولًا، وثانِيًا في عُنُق المؤمنين والمؤمنات، فكانوا يتداولونه بينهم (تلاوةً وكتابةً) بهدف خَطِّهِ وتدوينه كنُسخ، وبهدف نشره بالشكل الصحيح بينهم، لتوصيله كافّةً للناس في جميع أقطار الأرض من دون أي تحريف. وكانوا حينئذٍ يتعلمون القرءان الكريم (جميع آياتِهِ) مُرَتَّلًا من الرسول محمد عليه السلام، بجَمْعِ آياتِهِ مع بعضها وبضَرْبِ آياتِهِ ببعضها وببيان آياتِهِ من بعضها وبتفصيل آياتِهِ وتشابهها مع بعض وبتفسير آياتِهِ من بعضها البعض بهَدَف إحكامِهِ، فيتعلمون بذلك علومه وأمثاله وعبره وأحكامه وشرائعه وسُننه إلى آخِرِهِ، وكانوا يتداولونه بينهم مُرَتَّلًا بنفس الطريقة التي تعلموها من رسولهم الأمين لعدم وجود المطابع، فكانت تارّةً تُطبع آيات القرءان، وتارّةً أخرى يُطبع ترتيلها (تفسيرها)، وكانت الآيات والسُور تُدَوَّن وتُخَطّ وتُنسخ وتُجمع كتابةً باليد بواسطة كُتّابْ وتُنشر في رقوق وتُحفظ في ألواح.
 

سورة الطور
وَالطُّورِ ﴿١﴾ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ﴿٢﴾ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ﴿٣﴾.

 

ولقد فرض الله تعالى على الّذين ءامنوا في زمن الرسول محمد عليه السلام في آية (282 و283) من سورة البقرة أن تؤخذ آيات القرءان الكريم ويؤخذ أيضُا ترتيلها من الرسول محمد الأمين، فتُكتَب الآيات وتُجمع وتُدوَّن على ورق وتكون هناك نسخات عديدة وكثيرة منها (وكذلك الأمر بالنسية لترتيل الرسول) ويكون هناك شُهداء عليها، بهدف نشر رسالة القرءان بين الناس في جميع أقطار الأرض.

سورة البقرة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٨٢﴾ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٢٨٣﴾ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٨٤﴾ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿٢٨٥﴾ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٨٦﴾.

إذا نظرنا بالشكل الظاهري لتلك الآيتين من سورة البقرة (آية 282 و283) نجد أنّها تحدثنا عن دَيْنْ أو عن تجارة بالمفهوم المعترف عليه بيننا. أمّا إذا نظرنا في عُمق وبُعد تلك الآيتين فنجد أنهما تحدِّثانا في الحقيقة عن إرادة الله ومشيئته في كيفية إنتشار رسالة القرءان في الأرض تلاوةً وترتيلًا وكتابةً وتدوينًا لجميع علومِهِ وشرائعِهِ وأحكامِهِ وسُننِهِ وحِكَمِهِ وأمثالِهِ وعبرِهِ بين المؤمنين والمؤمنات وبين الناس كافَّةً في زمن الرسول محمد عليه السلام، حيث لم يكن هناك مطابع.
لقد كان هناك كُتّابْ يكتبون، وآخرون من الّذين يتعلمون الآيات من الرسول محمد ومن أوليائهم المؤمنين الّذين تعلموا الآيات أيضاً من محمد، فكلَّما جاءتهم إمّا الآيات والسُوَر أو بيانها وتفسيرها من الرسول يكتبوها. وكان هؤلاء الآخِرين يُملون على هؤلاء الكتاب ما يجب عليهم أن يكتبونه، فكان بينهم كاتب يكتُب وآخر يُمْلِلْ بالحق على هذا الكاتب ما تعلمه من آيات الله البينات من دون أدنى تحريف أو تغيير أو تبديل، أي من دون أن يبخس من علم الله (آياته) شيئًا على هذا الكاتب. وعلى الأخير (الكاتب) أن يكتب ما يُمْلَلْ عليه من آيات الله بالعدل كما علّمه الله. فإن كان الّذي يُملِل على الكاتب سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يُمِلّ، أي إذا كان الّذي تعلَّم الآيات غير مؤهل لتأدية هذا الأمر أو ليس لديه المقدرة العقلِيَّة الكافية أو عنده صعوبة في تذكُّر الآيات أو لم يكتمل عنده العلم بعد وليس لديه العلم الكافي بالآيات الّتي عليه أن يُملِلها، فعلى ولِيَّهُ الّذي علّمه أن يُملِلْ  على الكاتب بدلاً منه (ينوب عن السفيه أو الضعيف)، ولكن بالعدل حتّى لا يحدث خطئ في تبليغ آيات الله فتُدوَّن أو تُخطّْ أو تُنسخ الآيات وكذلك تفسيرها وبيانها على الورق خطئًا. ولقد كان هناك شهيدين من رجالهم المؤمنين يستشهدون بهم. الشهيدان هما من الّذين تعلّموا أيضًا آيات الله (تمامًا كالّذي يُمِلّْ) ومهمتهم مراقبة ما كُتِبَ أنه صحيح، زيادةً في الحِرص على آيات الله، فيشهدوا على الّذي يُمِلّْ أنّ ما يُمِلُّهُ على الكاتب صحيح، ويشهدوا على الكاتب أنّ ما يكتبه من الّذي أمَلَّهُ عليه أيضًا صحيح. فإن لم يكونا رجُلين فرجلٌ وامرأتان، "
أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ". إنَّ تلك الآية تدلنا على أنَّ المرأة لديها القدرة أكثر من الرجل على أن تَضِلّْ (تنسى)، وبالتالي تُخطئ في تَذَكُّرِها للآيات حين الشهادة. وعلى جميع هؤلاء المسؤولين (الكاتب، والّذي يُملِل، وولِيّ الّذي يُملِل، والشهداء) أن يتحملوا مسؤولية تدوين آيات القرءان أو تفسيرها أمام الله صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله (أي إلى حين تُكتب وتُجمع جميع آياته وعلومها) من دون أن يُضار كاتبٌ أو شهيد، أي من دون أن يُتَّهَم كاتبٌ أو شهيد بالكذب أو أن يُكتَبْ بالكذِبْ عنهما. وهذا أقسط عند الله وأقوم للشهادة لكي لا يرتابوا، أي لكي لا يرتابوا في الآيات وبالتالي يتأكدوا بهذه الطريقة أنَّ الآيات قد جُمِعَت بطريقتها المُثلى وبيانها الصحيح المأخوذة من الرسول محمد الأمين من دون زيادة أو نقصان أو تبديل أو تحريف. لذلك ختم الله تعالى آية (282) بقوله: "وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ". بهذه الطريقة جمع الله تعالى لنا آيات القرءان وحفظها بإرادتِهِ في زمن الرسول محمد عليه السلام، وليس عثمان ابن عفان الّذي جمعه بعد وفاة الرسول وحفظه هو والسلف وأهل الملة والجماعة وأئمة الكفر والضلالة بتواترِه، كما يقولون كذِبًا وبُهتانًا وزورًا. ولذلك كان قوله تعالى في سورة القيامة:

سورة القيامة
لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءانَهُ ﴿١٧﴾ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءانَهُ ﴿١٨﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴿١٩﴾.

أمّا بالنسبة لقول الله تعالى: "إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ". التجارة الحاضرة هي التجارة الّتي حضروها أي شهِدوها، ألا وهي رسالة القرءان الكريم. في هذه الآية استثنى الله تعالى كتابة أو خطّ القرءان أو تدوينه إن كان القرءان حاضِرًا يعرفه المؤمنون والمؤمنات ويديرونه كشراكة بينهم، فليس عليهم جناح ألّا يكتبوه. إذًا في حال كانت رسالة القرءان مخطوطة أو محفوظة أو حاضرة أو معروفة، أي أنَّ القرءان أصبح موجودًا لديهم يعرفون آياتِهِ أو عِلمِهِ وأحكامِهِ وشرائعِهِ ويتداولونها (يُقيمونها) بينهم، أي يشتركون في إقامتها عملِيًّا على أرض الواقع (يُقيمون الصلواة)، ففي هذه الحالة لا داعي لكِتابتِهِ، فهو موجود بينهم وهُم شُركآء فيه. إذًا فالقرءان هو التجارة الحاضرة التي يديرونها بينهم، وهو تجارتهم مع الله يديرونها أي يتداولونها أي يقيمونها كمؤمنين ومؤمنات بينهم. ولذلك أكمل الله تعالى بقولِهِ: "وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ"، أي أقيموا الشهادة بينكم إذا تعاهدتم. وكل هذا يعني أن القرءان كان متداولاً ومعروفًا بين المؤمنين والمؤمنات وكان مخطوطًا ومطبوعًا بأكمله في زمن الرسول محمد عليه السلام.

والدليل على أن التجارة التي يتداولها (يُقيمها) المؤمنون والمؤمنات بينهم هي رسالة القرءان نجدها في الآيات التالية:

سورة الصف
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿١٠﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١﴾.

سورة فاطر
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴿٢٩﴾ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴿٣٠﴾.

وأمّا إذا كانوا على سفر منتشرين في الأرض ويريدون أن يتداينوا بين بعضهم البعض بآيات القرءان، أي أن ينشروا رسالة القرءان في الأرض بين الناس بالطريقة المُثلى بعد أن تعلموها إمّا مباشرة من الرسول محمد عليه السلام أو من مؤمنين ذوي ثقة ولم يجدوا كاتبًا بينهم يكتب الآيات وبيانها، فَرِهَانٌ (الآيات وعلمها الّتي اؤتُمِنَ عليها المؤمن ويكون ملزم بها) مَقْبُوضَةٌ (مدفوعة أي مؤداة)، أي على المؤمن رَهن مسؤول عنه يجِب عليه أن يؤدّيه. فإن أمن بعضهم بعضاً فعلى الّذي اؤتمن (الّذي أخذ علم الآيات) أن يؤدي أمانته من دون أن يكتم الشهادة أو يُخفيها، أي عليه أن يشهد بالحق (بآيات القرءان وبيانها) تمامًا كما تعلمها، وَمَنْ يَكْتُمْ الشهادة فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.

ولذلك ختم الله تعالى سورة البقرة وأكمل تلك الآيتين (آية 282 و283) بالآيات التّالية (آية 285 و286)، لكي يُعلمنا تعالى أنَّ الرسول محمد والمؤمنون قد تداينوا بين بعضهم البعض بالقرءان إلى أجله وأدّوا دينهم (أمانتهم، قرءانهم، الرِهان) على أكمل وجه:

"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿٢٨٥﴾
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٨٦﴾".

وإنَّ آية (286) هي أكبر دليل على أنَّ المؤمنين والمؤمنات في زمن الرسول محمد كانوا قد عاقبوا (تناوبوا) بآيات القرءان مع بيانها تمامًا كما عوقبوا بِها (كما وصلَت إليهم) أولًا من الله وثانِيًا من رسولِهِ وثالِثًا من المؤمنين ذوي عدل والشهدآء، من دون أي تحريف للآيات تلاوةً أو نصًّا وكتابةً، وتمامًا كما أمرهم الله عز وجل في تلك الآيات من سورة البقرة وكما أمرهم في السُور التالية، ولذلك دعا المؤمنون الله في تلك الآية (286) بأن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا عن غير قصد وقت تبليغهم لآيات القرءان الكريم، وأخبرنا أيضًا في السُور التالية:

سورة النحل
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿١٢٦﴾.

سورة الحج
ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴿٦٠﴾.

 

إذا نظرنا في سورة المائدة (من آية 106 إلى 109) نجد فيها تشابهًا كبيرًا بينها وبين آيات سورة البقرة، مِمًا يعطينا بيانًا آخر لما ذكرت لكم:
 

سورة المائدة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ ﴿١٠٦﴾ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠٧﴾ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿١٠٨﴾ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿١٠٩﴾.

 

لقد وصّى الله تعالى المؤمنين بالضرب في الأرض لتبليغ الوصية (القرءان الكريم) أي لتبليغ ونشر رسالة القرءان وألزمهم بها. فالوصية هي آيات الله عز وجل البينات التي أنزلها عليهم ووصاهم بها. ولقد أمرهم تعالى من خلال تلك الآيات من سورة المائدة بما عليهم فِعلِهِ في حال حضر أحدهم الموت حين تبليغ الوصية وقت ضربهم في الأرض. وقبل أن أتابع هذا الموضوع، أود أن أظهر الدليل على أن الوصية هي كل آية من آيات القرءان ببيانها، وبالتالي هي القرءان، في السور التالية:

سورة الشورى
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴿١٣﴾.

سورة النساء
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴿١٣١﴾.

سورة البقرة
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٢٧﴾ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١٢٨﴾ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١٢٩﴾ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٣٠﴾ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٣١﴾ وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٢﴾ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٣﴾.

سورة الأنعام
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٢﴾ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٥٣﴾ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٤﴾ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٥٥﴾.

سورة مريم
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿٣١﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴿٣٢﴾ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴿٣٣﴾ ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿٣٤﴾.

سورة العنكبوت
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٨﴾.

سورة لقمان
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴿١٤﴾.

سورة الأحقاف
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٥﴾.

سورة الإسراء
وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴿٢٣﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴿٢٤﴾ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴿٢٥﴾ وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿٢٦﴾ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴿٢٧﴾ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴿٢٨﴾ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴿٢٩﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴿٣٠﴾ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴿٣١﴾ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴿٣٢﴾ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴿٣٣﴾ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴿٣٤﴾ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴿٣٥﴾ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴿٣٦﴾ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ﴿٣٧﴾ كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴿٣٨﴾ ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴿٣٩﴾.

لقد بدأ الله تعالى حديثه في آية (106) من سورة المائدة بقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ". نجد بأن الله عز وجل يدعو الّذين ءامنوا بأن يكون بينهم شهادة. والشهادة هي الإتفاق والعهد الّذي عاهدوا الله ورسولِهِ عليها والّتي يجب عليهم أن يقطعونه بينهم بأن يشهدوا حين الوصية بالحق (حين نشر رسالة القرءان الكريم للناس في الأرض) من دون أن يكتموا منها أو من بيانها شيئًا وتمامًا كما أمرهم الله عز وجل. ولو تابعنا الآيات التالية من سورة المائدة من آية (106 إلى 109) نجد أنه كان واجب على المؤمنين في زمن الرسول محمد عليه السلام من كل قوم أن يذهبوا فرقًا مع بعضهم فيضربوا في الأرض لكي يبلغوا الوصية (الشهادة) أي يقيموا الصلواة بين الناس، فيؤدوا الأمانة بنشر رسالة القرءان والإصلاح في جميع أقطار الأرض. وكان واجب أن يكون من بينِهِم على الأقل اثنين من المؤمنين المتمكنين والمتفقهين في الدين يُوزِّعوا المهمة بينهم، من الّذين يعلمون علم الكتاب ويستطيعون أن يتحملوا مسؤولية إقامة الصلواة أي تبليغ الوصية أو الشهادة على أكمل وجه. فليس كل مؤمن يحق له تبليغ الصلواة، وليس كل مؤمن يستطيع أن يُعطي الصلواة بالشكل الصحيح، وليس كل مؤمن لديه الإستطاعة أو القدرة (فصل الخِطاب) أو العلم الكافي وبالتالي الحق في تبليغ الوصية (القرءان) في الأرض، باستثناء ذوي العلم المتمكنين والمتفقهين في الدين. ولقد كانت تلك الفِرقة مُعَرَّضة للموت في أي مكان أو زمان. فلو حضر أحدهم (واحِد من المتفقهين في الدين) الموت حين الوصية وبقِي معهم الآخر، ففي هذه الحالة عليهم أن يُقيموا شهادةً بينهم أي إتفاقًا وعهدًا يقطعونه بينهم لتكملة مهمتهم (ضربهم) في الأرض، فيشهدوا بين بعضهم ويُعاهدوا بعضهم على أن يتموا تبليغ الوصية (الشهادة) على أتم وجه بالقسط وكما أمرهم الله عز وجل، فيختاروا من بينهم اثنين من المؤمنين ذوَا عدلٍ وثقة، إما منهم في حال كان منهم من يستطيع تحمل المسؤولية في تبليغ الوصية أو من غيرهم أي من غير قومهم، فيقومان مقام الّذي حضره الموت فينوبان عنه في هذا الأمر. وعندما ينتهيان من مهمتهما ويعودان إلى فرقتهم أو قومهم، فلو شعرت الفرقة أو القوم بارتياب تجاههما في تأديتهما للمهمة، بعد إعطائهما لهم التقرير الكافي للمهمة التي أُرسِلوا من أجلِها، أو بعد شهادة من مؤمنين آخرين كانوا معهم، فيجب عليهم أن يحبسونهما من بعد الصلواة أي من بعد انتهائهما من المهمة من تبليغ الرسالة (الصلواة)، فيجعلونهما يقسمان بالله: "لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ"، أي يُقسمان أمام الله أنهما بَلَّغوا شهادة الله أي القرءان كما وصاهم بها الله عز وجل في آياته، وأنهم شهدوا بالحق من دون أي تحريف أو تبديل أو زيادة أو نقصان. فإن عُثِرَ على أنهما استحقا إثمًا، أي أنهما كتما شهادة الله ولم يبلغانها بالحق، فعلى الفرقة أن يختاروا ويبعثوا باثنين آخرين ذوَي عدل بدلًا من الأوليان الّذين استحقَّ (استوجَبَ) عليهم الإثم، فيقومان مقامهما (نفس الشروط تنطبق عليهم)، بهَدَفْ تصحيح التحريف الذي ألحقوه في الناس حين ضربهم في الأرض حين الوصِيَّة. وعندما تنتهي صلاتهما ويعودان فعليهما أن يُقسما أيضًا بالله: "لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِين". ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا (تبليغ رسالة القرءان بالحق)، أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ (أن تُردَّ عهود فلا تُقبَل الشهادة من الناس الذين بُلِّغوا وأخذوا الوصِيَّة) بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ (بعد عهودهم). ولذلك أكمل الله تعالى تلك الآيات بقوله في آية (109): "يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ"، لكي يبين لنا أنَّ الوصية في تلك الآيات البينات هي تبليغ رسالة القرءان للناس أجمعين، وبالتالي لكي يبين لنا أنَّ حضور الموت للمؤمن عالم القرءان حين الوصية هو في الحقيقة حضور الموت له حين ضربه في الأرض لتبليغه رسالة القرءان للناس. ولذلك قال تعالى أيضًا في آية (106): "إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ"، وقال أيضًا في نفس الآية: "... فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ"، وقال أيضًا في آية (107 و108): "... فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠٧﴾ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿١٠٨﴾".

وإنَّ قول الله تعالى في آية (108): "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" هو أكبر دليل على ما ذكرت. لأنَّ عدم التقوى أو عدم الطاعة هو دليل على كتم الشهادة والتحريف، والفِسق هو دليل أكبر على ذلك. فإبليس الهالِك في جهنم والّذي غَضِبَ الله عليه ولَعَنَهُ فهُو قبل أن يُصبِح بِحُكم إبليس كان من الجِنّْ وكان مؤمنا عالمًا لكتاب الله ولكنه فَسَقَ عن أمر ربِّهِ، أي ضلَّ وكفر بعد إيمانِهِ، وبدَّل كلام الله وحرَّفه على هواه ومصلحتِهِ، وقلب الحق باطِلًا والباطِلَ حق، فنقض بذلك العهد من بعد ميثاقِهِ وقَطَع ما أمر الله بِهِ أن يوصَلَ وأفسد في الأرض، تمامًا كما فعل الّذين ءامنوا بعد وفاة الرسول محمد عليه السلام إلى يومنا هذا. كما قال تعالى في الآيات البينات التالية:

سورة الكهف​
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴿٥٠﴾.

سورة البقرة
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٢٧﴾.

سورة المائدة
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٢٠﴾ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴿٢١﴾ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴿٢٢﴾ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٢٣﴾ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴿٢٤﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٥﴾ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾.

سورة الصف
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٥﴾.

سورة التوبة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٣﴾ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٤﴾.

 

سورة التوبة
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٧٣﴾ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ۚ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿٧٤﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٧٥﴾ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٧٦﴾ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿٧٧﴾ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿٧٨﴾ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٩﴾ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٨٠﴾.

 

سورة التوبة
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٩٠﴾ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٩١﴾ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴿٩٢﴾ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٩٣﴾ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٩٤﴾ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٩٥﴾ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٩٦﴾ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٩٧﴾.

سورة المنافقون
إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴿١﴾ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢﴾ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴿٣﴾ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴿٤﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴿٥﴾ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٦﴾.

إنَّ بيان تلك الآيات من سورة المائدة (من آية 106 إلى 109) وما جاء فيها لا تدلنا نهائيًّا على أنَّ الوصية المعنية فيها لها أي دعوة بالإرث أو الميراث كالّتي ذُكِرت في سورة النساء. هذه الآية من سورة المائدة هي أمر من الله عزَّ وجل للمؤمنين (بغياب الرسول محمد، أو من بعد وفاته) بكيفية تبليغ رسالة القرءان الكريم بالشكل الصحيح والمؤتمن عليه بين الناس.
 

في النهاية، لقد ذُكِرت الوَصِيَّة وذُكِر الدَّيْن في بعض السُور في القرءان الكريم. ونحن علينا بفهم المقصود منها (أي معناها) من خلال بيان الآيات نفسها الّتي ذُكِرت فيها كلمة وَصِيَّة أو دَّيْن. فمثلًا نجد أنَّ الوصِيَّة في سورة البقرة، والوصِيَّة والدين في سورة النساء تحدثنا عن بالميراث. أمّا الوَصِيَّة في سورة المائدة، فهي آيات القرءان وبيانها وكيفِيَّة تبليغها بشروط لجميع الناس حين الضرب في الأرض في زمن الرسول محمد عليه السلام. وأمّا الدَّيْن في سورة البقرة (والتجارة)، فهو القرءان الكريم ونسخ آياته وتدوينها ببيانها على ورق لجمعها وحفظها، لتبليغها للناس كافة، مع شروط في النسخ والتدوين، بسبب عدم وجود مطابع آنذاك.
 

إذا قارنّا بين آيات سورة المائدة (الوصية) وبين آيات سورة البقرة (الدين) نجد تشابه كبير بينهما:

  1. أولًا، كلاهما تُبيِّن لنا كيف انتشر القرءان الكريم ببيانِهِ وتمَّ تبليغه للناس في الأرض في زمن الرسول محمد عليه السلام والمؤمنين.
     
  2. ثانيًا، في كلتا الحالتين (الدَّيْن، وحين الوصِيَّة) نجد أن خَطّْ القرءان وتدوينه وتبليغه يستلزم شاهدان اثنان:
    سورة البقرة آية (282 و283):
    "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ.
    "وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ ".
    "وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ".
    سورة المائدة آية (106، 107 و108):
    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ".
    "فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ".
    "فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ".

     
  3. ثالثًا، نجد تشابه في قول الله عز وجل في سورة البقرة والمائدة:
    سورة البقرة آية (282): "ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا".
    سورة المائدة آية (108): "ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ".

     
  4. رابعًا، نجد تشابهًا كبيرًا في كيفِيَّة تبليغ الرسالة بالضرب في الأرض حين الوصية وعلى سفر:
    سورة البقرة آية (283):
    "وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ".
    سورة المائدة آية (106 و107):
    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ".
    "فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ".
    لاحظوا قول الله تعالى في آية (283) من سورة البقرة: "وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ "، وفي آية (106) من سورة المائدة: "وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ". إذُا كتم الشهادة هي كتم شهادة الله أو الوصِيَّة أو الدَين أو الرِّهان وبالتالي كتم القرءان الكريم.

    وفي هذا نستطيع أن نقول أنَّ آيات سورة المائدة تعطينا مفهوم أو سبب "الرِّهان المقبوضة" في سورة البقرة، أو بالأحرى مبدأهما واحد. فالرِّهان المقبوضة هي أن يأتمٍنوا ويؤتَمَنوا ويكونوا بموقع ثقة وقت تبليغهم الشهادة أو الوصِيَّة للناس، فيكونوا شُهداء عليها ومسؤولين عنها. أي أن يكون لديهم صدق وإخلاص وأمانة ويكونوا على ثِقة ولا يرتابوا وقت تبليغ الشَّهادة أو الدَّيْن أو الوَصِيَّة في الأرض.
     
  5. خامسًا، لقد ذكر الله تعالى لنا في كلتا السورتين (البقرة والمائدة) صفة "العدل أو القسط":
    سورة البقرة آية (282):
    "وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ".
    "فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ".
    "ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ".
    سورة المائدة، آية (106 و107):
    "اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ".
    "فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ".

إذا أردنا أن نستخلص العبرة من جميع تلك الآيات البينات الّتي ذكرتها لكم في سورتَي المائدة (الوصيَّة) والبقرة (الدَّيْن) فنقتدي بها، نجد أنها تبين لنا أنه ليس كل إنسان قال أنه آمن وأنه فهم القرءان أو قرأه أو حفظه لديه الحق في كتابته وبيانِهِ وتبليغه للناس، ولكن فقط الإنسان الّذي أتى الله بقلب سليم ودرس ما فيه، أي فقط الإنسان الّذي تعلم علم الكتاب أي لديه علم البيان أي إثباتات من آيات القرءان نفسها وعنده فصل الخطاب، ولديه القدرة بأن يحكم بآيات الله بالعدل. لا من خلال نفسه ولا من خلال فلسفته الشخصية أو عقله أو أهواءه أو تفسيراته الخاصة أو تكهناته أو تفسيرات مجتمعه أو عاداته وتقاليده أو دينه الباطل الّذي تعلمه عن آباءه،  ولكن من خلال بيان وترتيل وضرب وتشابه وإحكام وتفصيل وتفسير الآيات بعضها من بعض، لكي لا يكتم شهادة الله ولكي لا يشتري به ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى ولكي لا يقع في التحريف والتبديل، وبالتالي في الإثم والظلم والعدوان.

للأسف هذا ما فعله السلف "الطالح " وأئمة الفسوق والعصيان، انقلبوا على أعقابهم بعد وفاة الرسول محمد الأمين حتى يومنا هذا، فكتبوا أحاديث وتفاسير باطلة وافتروا الكذب على الله عز وجل وعلى كُتُبِهِ ورُسُلِهِ، مثالًا لذلك ابتدعوا وحيًا آخر غير وحي القرءان سمّوه بوحي السنة بهتانًا وظُلمًا وزورًا، تواتروه من بعد وفاة الرسول محمد عليه السلام إلى يومنا هذا. وللأسف هذا أيضًا ما يفعله كثير من الناس في زمننا هذا (من الّذين يظنون أنهم ءامنوا) على صفحات الإنترنت أو في ساحات التواصل الإجتماعي أو في مجالسهم، يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، ويفسرونها على حسب رأيهم ومنطقهم وأهواءهم وفلسفتهم الخاصة من غير علم ولا هدى ولا كتابٍ مُنير.

وأنا أريد أن أنوِّه لأمر في غاية الأهمية. ليس كل من قال أنه آمن هو مؤمن حق وصادق في إيمانه ولديه الحق في تبليغ القرءان. وليس كل من قال أنه يعلم هو يعلم حتى ولو ظنَّ ذلك. وللأسف هناك أيضًا عبر جميع ساحات التواصل الإجتماعي الكثير من الناس من أصناف وفئات كثيرة، من المنافقين الّذين يقولون أنهم ءامنوا وما هم بمؤمنين، أو من الملحدين أو العلمانيين أو التنويريين أو أهل السنة والشيعة والجماعة أو النصارى أو اليهود أو الماسونيين أو المجوس أو البوذِيّين أو الهِندوس أو المُندَسِّين بين صفوف المؤمنين أو المنافقين عامة من جميع الفئات، كل هؤلآء يتكلمون بالقرءان ويناقشونه في صفحاتهم وفي ساحاتهم وفي مجالسهم، ويتلاعبون بمفهوم آياته، ويفسرونه على أهواءهم، بهدف تحريفه لتدميره. وإنَّ تواتر الأمة "الإسلامية" لوحي السنة الكاذب وعدم حمل الأمانة بالشكل الصحيح الذي أمرنا الله تعالى به، هو السبب الرئيسي للخلافات والنزاعات الّتي تدور بين الناس على صفحات التواصل الإجتماعي وفي التلفاز وفي مجالسهم وفي بيوتهم وفي المجتمعات، وهو السبب أيضًا للعداوة والكره والبغضاء بين الشعوب، وكل ما يحدث أمامنا هو أكبر دليل على ما ذكرت.
 

سورة آل عمران
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴿١٤٤﴾.

سورة لقمان
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴿٢٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴿٢١﴾.

سورة الأحزاب
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿٧٢﴾ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٧٣﴾.

 

وهناك نقطة أخرى مهمة أحب أن أنوه عنها، ربما يكون الإنسان فعلًا مؤمنًا أو في طريقه للإيمان، ولكنه سفيهًا (ضعيفًا) أو لم يكتمل عنده العلم بعد حتى لو كان يظن ذلك، فعليه بالصبر والحذر وعدم التحدث بالقرءان وتبليغه للناس لحين يكتمل عنده الإيمان والعلم، لكي لا يقع أيضًا في التحريف، وبالتالي في الإثم أمام الله عز وجل.

ختامًا لما ذكرت في موضوعَي الدَيْن والوصِيَّة، لقد حفظ الله تعالى نُسَخ القرءان الكريم بعد وفاة الرسول محمد عليه السلام إلى يومنا هذا. وبِحِفظِهِ له حفظ فيه بيانه وتفسيره. أمَّا ما دُوِّن من بيان أو علم أو تفسير أو تفصيل من ترتيل الرسول محمد عليه السلام في زمنه فهو لم يصِل إلينا. والسبب هو أنَّ قوم محمد انقلبوا على أعقابهم بعد وفاته، بوجود منافقين مُندسِّين بين صفوف المؤمنين، وبوقوع المؤمنين بفتن وخلافات في سبيل السلطة والجاه، وبمحاربة المؤمنين وملاحقتهم وتقتيلهم عبر الزمن من قِبَل المنافقين الّذين أشركوا والكُفّار. وهناك إحتمالين لا ثالِث لهُما وهو، إمّا أن يكون ما دُوِّنَ عن الرسول الأمين بَعضه موجود ومَخفِيّْ من قِبل طواغيت يدَّعون الإيمان، أو أنه ليس له أي وجود في زمننا لأنهم أحرقوه بعد وفاة الرسول كما فعل عثمان إبن عفّان (على حسب قولهم) أو غيره من الّذين يُسمونهم بالصحابة من المنافقين الّذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبيَّن لهم الهُدى، من أجل مصالحهم في الحيواة الدنيا. لقد قالوا بأنَّ عثمان أحرق كُتُب كثيرة بعد وفاة الرسول حين جمع القرءان. وأنا أقول بأنَّه لو كان هناك فعلًا أحد قد سُمِّيَ بعُثمان، فلو كان مؤمِنًا حقًّا فهو إمَّا أنه قد أحرق القراطيس والقراءين المُزَوَّرة الّتي كانت تُكتَب في الحُجُرات وظهرت على الساحة بعد وفاة الرسول الأمين، ولو كان مُنافِقًا فيكون قد أحرق تدوين ترتيل محمد الأمين للقرءان الكريم. أمّا بالنسبة لجمع القرءان، فسوف نرى لاحقًا إن كان عثمان جمعه أم لا، ومن الّذي جَمَعَهُ ..

وإنَّ إختلاف مفهوم وشرائع وأحكام وحي السنة المزعوم عن مفهوم وشريعة وحُكم القرءان هو أكبر دليل على أنّ القرءان لم يُحفَظ بتواتر الأمة كما يزعمون، وإلّا لما كان وصل إلينا. الله تعالى هو الّذي حفظه وأتَمَّ علينا نوره ولو كره المُشركون، لكي يُزهِق الباطل (وحي السُنَّة المزعوم) ويُحِقّ الحقّ بكلماتِهِ ولو كرِه المشركون:

سورة النساء
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴿٨٠﴾ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ۖ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿٨١﴾ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴿٨٢﴾.

 

سورة الصف
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٧﴾ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿٨﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿٩﴾.

هل القرءان الكريم حاشآه ناقصًا؟:

هناك الكثير من المُغرِضين من الّذين يكرهون الله ورسوله يقولون بأنّ القرءان ناقص، ودليلهم على ذلك أنهم وجدوا بعض نُسخ من قراءين مُختلفة، أو بعض نسخ من قراءين غير كاملة، كل هذا لا يدل أبدًا على أنَّ هذا القرءان ناقص ولا يثبت لنا أبدًا ذلك.

إنّ السبب في وجود قراءين مُختلفة هو عدم وجود مطابع في زمن الرسول محمد عليه السلام مع وجود كثير من المنافقين والمنافقات من قوم محمد كانوا مُندَسِّين بين صُفوف المؤمنين والمؤمنات حاولوا أن يتلاعبوا بالقرءان فكانوا يكتبون آياته  ويُفيضون فيه ويدونونها من وراء الحجرات، من وراء ظهر الرسول محمد والمؤمنين والمؤمنات ومن دون علمهم، فجعلوا فيه أخطاء بهدف تحريفه لتبديله، مِمّا أدى إلى وجود قليل من النسخ من قراءين مختلفة أو محرفة، فالأمر لا يخلو من محاولاتهم في تحريف القرءان والّتي باءت بالفشل في زمن الرسول محمد الأمين لأنها كانت ممنوعة وكان هناك رقابة مُشددة من الرسول محمد ومن أولي الأمر من الّذين ءامنوا معه على ما كان يُكتب من قرءان كما بيّنت لكم في آية (282) من سورة البقرة، وكان يعاقب عليها القانون، لذلك كانت تلك القرءائين تُكتب في الخفاء. ولكن بعد وفاة الرسول محمد عليه السلام ظهرت تلك الكتب شيئًا فشيئًا، واستخدمت عبر الزمن عن قصد بهدف التشكيك بمصداقية القرءان وتضعيفه. لقد أراد هؤلاء المنافقون المُطَفِّفين من قوم الرسول من المشركين والكفار أن يُطفِئوا نور الله بمحاولاتهم التلاعب بالقرءان، ولكن الله يأبى إلاّ أن يتم نوره ولو كره المُشركون، فحفظ تعالى القرءان بمشيئته وإرادته عبر الزمن، ومنع الناس من تحريفه، فجعل نُسخه الصحيحة الّتي خُطّت في زمن الرسول محمد الأمين بأيدي كثير من المؤمنين والمؤمنات هي الأكثر والأوفى والأجدر والأصدق ولا يوجد فيها أدنى شك، وجعلها تُنسخ وتُطبع وتُنشَر وتنتشر بين جميع الناس وفي جميع أقطار الأرض عبر الزمن حتّى يومنا هذا إلى يوم القيامة.

أمّا بالنسبة لوجود قراءين غير مُكتملة كتابتها (أي سُورها أو آياتها) فهذا أمر أراهُ شخصِيًّا منطقي يستطيع الحُدوث، إن كان سابقًا قبل وفاة الرسول الأمين أو من بعد وفاته، لأنَّ كل إنسان مؤمن قد كتب القرءان بخطّ يدِهِ فهو، إمّا أنَّه قد توقَّف عن ذلك قبل أن ينتهي من كتابة جميع سُوَر وآيات القرءان، أو أنه تُوُفِّيَ قبل أن ينتهي من كتابتِهِ ..

أمّا إذا نظرنا في بعض نُسخ القرءان الّتي كُتِبت في زمن الرسول محمد، والّتي هي عبارة عن قراءين مكتوبة بخطوط عربية مختلفة، أي فيها إختلاف في الخط القرءاني، فهذا لا يُذهِب أبدًا مصداقية القرءان كما يقول أعداء القرءان، ولكنه يُعطينا دليلاً آخرًا لمفهوم الآية (282) التّي بيَّنتها لكم من سورة البقرة، ويؤكد لنا أنَّ كل إنسان كان مؤمنًا في زمن الرسول محمد وكان على محمل ثقة - وإن اختلف خطّه العربي - كان مرخّصًا له أن يكتب القرءان بخطِّهِ. وهذا هو سببًا ليس من بعده سبب في إختلاف الخط القرءاني.
 

سورة المائدة
.. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا .. ﴿٣﴾.

(هل أكمل الله تعالى لنا ديننا وأتم نعمته علينا بعد وفاة الرسول؟ ولو كان القرءان لم يكتمل بعد في زمن الرسول، فهذا يعني أنَّ وحي القرءان الّذي أوحاه الله تعالى إلى رسولِهِ محمد كان ناقِصًا، وبالتالي علومه وشريعته وسُنَّتِه وأمثاله وعبره)

سورة البقرة
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٨٥﴾.

(كيف شهِدوا الشهر أي القرءان، وأكملوا العِدَّة، وكبَّروا الله، وشكروا له، إذا كان القرءان ناقصًا في زمن الرسول)
 

سورة النساء
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴿١٠٣﴾.

(كيف قُضِيَت (انتهت) الصلواة (القرءان)، وكيف ذكروا الله وأقاموا الصلواة (أقاموا القرءان)، إذا كان القرءان ناقص ولم يكتمل بعد في زمن الرسول)
 

سورة الأحقاف
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴿٢٩﴾ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٣٠﴾.

(كيف قُضِيَت (انتهت) الصلواة (القرءان)، وكيف ولّوا إلى قومهم منذرين، وكيف أقاموا نفر من الجِنّ الصلواة في قومهم (أقاموا القرءان)، إذا كان القرءان ناقص ولم يكتمل بعد في زمن الرسول)

خِتامًا لما ذكرت عن كيفيَّة انتشار الرسالة بين الناس:

نتيجة لجميع ما ذكرت عن هذا الأمر، أستطيع أن أختم بقولي أنَّ رسالة القرءان انتشرت هكذا وبهذه الطريقة في زمن الرسول محمد في قومه وبين المؤمنين والمؤمنات وفي الأقوام الأخرى من دون وجود مطابع، وأنَّ القرءان كان كاملًا مُكتمِلًا في زمن الرسول محمد الأمين والّذين ءامنوا معه، وإلّا لما وصل القرءان إلى الناس كافَّةً، ولما تمَّت الرسالة، ولما اكتمل قانون الله وشريعته وعلومه وأحكامه وسُنَّنه وأمثاله وعبره، ولما كان أحد من الناس قد ءامن، لا في زمن الرسول محمد عليه السلام ولا بعده.
 

سورة سبإ
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢٨﴾.

 

سورة الأنبياء
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٧﴾.

 

وإذا كان التداين بدين كما يقولون هو التداين بالمال بين اثنين بالمفهوم الشائع وليس له دعوة بخط القرءان ونشره:
 

1) فأولاًّ، ما حاجتنا للشهدآء أمام كاتب عدل أو وجود هذا الكاتب بوجود الطرفين الّلذان هما الدائن والمستدين؟!

2) وثانياً، لقد ذكر الله تعالى لنا في هذه الآية جميع هؤلاء المسؤولين: الكاتب، والّذي يُملِل (وهو الّذي تداين بدين وعليه الحق، أي هو المستدين)، وولِيّ الّذي يُملِّ، والشهداء. والسؤال الّذي يطرح نفسه هو، أين الدائن، ولماذا لم يذكر الله عز وجل أي شيء عنه في تلك الآية؟ بمعنى أصح، لماذا لم يحضر الجلسة مع  المستدين ويملِل هو بنفسِهِ لكاتب العدل بدلاً من المُستدين الّذي أخذ الدين منه وعليه الحق بسداد هذا الدين إليه؟ أليس أحرى أن يكون الطرفان حاضرين مع كاتب العدل فيُمِلّ كِلاهُما؟ فأين هو الدائن الّذي يُملِل في هذه الآية؟

مع الملاحظة الهامة والمُلفِتة للنظر، أنَّ آية (282) هي أطول آية في القرءان الكريم، وهذا يدلنا على أهمية تلك الآية الكبيرة والعظيمة وما تحتوي سطور آياتِها عليه من علم هو أكبر بكثير من قصة دين أو تجارة فيهما متاع للناس.

 

6. لماذا أقرَّ علماء السلف بوجود سنة متواترة وما هدفهم من ذلك؟

لقد استغلّ الّذين يُسمون أنفسهم بعلماء الدين الإسلامي حِفظ الله تعالى للقرءان، واستخدموا هذا الأمر كذريعة لهم على تواتر السنة، لكي يُثبتوا وجود وحجِّيَّة وصِدق السنة (وحي السنة)، فابتدعوا تلك السنَّة الباطلة والصلوات الخمس الكاذبة وغيرها من الشرائع الباطلة، لكي يُثبتوا لنا أنها وصلت إلينا بتواترها عبر الزمن تمامًا كما وصل إلينا القرءان، فجعلوا بذلك السنة المتواترة من البشر في نفس مستوى القرءان المحفوظ من الله، لا بل حتّى فوق مستواه. ونحن إذا نظرنا في القرءان الكريم، لا نجد في جميع آياته كلمة تواتر ولا حتّى وحي آخر غير وحي القرءان يُسمّى بوحي السنة. لقد تناسَوا هؤلاء العلماء عن عمد أمرًا مهمًا جدًا، وهو أنَّ الله تعالى أخبرنا في القرءان الكريم أنه حفظ القرءان لكي لا يتجرَّأ أحد على تشبيه القرءان بكتب خبيثة مكتوبة من بشر، ولا على وضع هذا القرءان العظيم في نفس مستوى تلك الكتب الخبيثة. ولقد أخبرنا تعالى أيضًا في القرءان على سيبل المثال عن معنى الصلواة، ولقد فصَّلها لنا تفصيلاً كاملاً وشاملاً في أكثر آياته بهدف أن لا يتجرَّأ أحد على تحريف معنى الصلواة الحقيقي وإقامتها.

والدليل على معنى الصلواة نجده مُفصَّلاً بين سطور جميع آيات القرءان البينات الّتي ذُكِرَت فيها الصلواة وإقامتها، وسوف أذكر بعضًا منها:
 

سُوۡرَةُ هُود
وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبً۬ا‌ۚ قَالَ يَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَڪُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَيۡرُهُ ۥ‌ۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِڪۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ‌ۚ إِنِّىٓ أَرَٮٰڪُم بِخَيۡرٍ۬ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيۡڪُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ۬ مُّحِيطٍ۬ (٨٤) وَيَـٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِڪۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِ‌ۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِى ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٌ لَّكُمۡ إِن ڪُنتُم مُّؤۡمِنِينَ‌ۚ وَمَآ أَنَا۟ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٍ۬ (٨٦) قَالُواْ يَـٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِىٓ أَمۡوَالِنَا مَا نَشَـٰٓؤُاْ‌ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَـٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنًا وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَٮٰڪُمۡ عَنۡهُ‌ۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَـٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُ‌ۚ وَمَا تَوۡفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ‌ۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ (٨٨).

 

سورة مريم
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴿٥٨﴾ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿٥٩﴾ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴿٦٠﴾.

 

سُوۡرَةُ الاٴعرَاف
وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَـٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ (١٧٠).

 

سُوۡرَةُ الحَجّ
ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِى ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّڪَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ‌ۗ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ (٤١) وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ ڪَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوۡمُ إِبۡرَاهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصۡحَـٰبُ مَدۡيَنَ‌ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡڪَـٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡ‌ۖ فَكَيۡفَ ڪَانَ نَكِيرِ (٤٤).

 

سُوۡرَةُ المعَارج
إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ (٢٢) ٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِہِمۡ دَآٮِٕمُونَ (٢٣) وَٱلَّذِينَ فِىٓ أَمۡوَالِهِمۡ حَقٌّ مَّعۡلُومٌ (٢٤) لِّلسَّآٮِٕلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ (٢٥) وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ (٢٦) وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ رَبِّہِم مُّشۡفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّہِمۡ غَيۡرُ مَأۡمُون  (٢٨) وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَـٰفِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَاجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَـٰنُہُمۡ فَإِنَّہُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَالِكَ فَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ (٣١) وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَـٰنَـٰتِہِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَاعُونَ (٣٢) وَٱلَّذِينَ هُم بِشَہَـٰدَاتِہِمۡ قَآٮِٕمُونَ (٣٣) وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِہِمۡ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُوْلَـٰٓٮِٕكَ فِى جَنَّـٰتٍ مُّكۡرَمُونَ (٣٥).

 

سورة الأنعام
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴿٩١﴾ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩٢﴾.

 

سورة الماعون
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿٢﴾ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣﴾ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴿٦﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴿٧﴾.
 

سورة الأعلى
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١﴾​ ... ﴿١٣﴾​ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴿١٥﴾.​

نجد من خلال جميع تلك الآيات أنَّ الصلواة هي القرءان، وأنَّ إقامة الصلواة هي تطبيق ما أمرنا الله عز وجل في كل آية من آيات القرءان والعمل بها على أرض الواقع. باختصار شديد، الصلواة وإقامتها هي الإيمان بالله والعمل الصالح. إنّ جميع تلك الآيات الّتي ذكرتها لكم والّتي تختص بالصلواة تجدون بيانها مُفصَّلًا في حلقات ومقالات حقيقة الصلواة.
 

للمزيد من المعلومات عن معنى الصلواة وإقامتها، رجاءً إضغطوا على الروابط أدناه:
http://trueislamfromquran.com/salat1
http://trueislamfromquran.com/salat2
http://trueislamfromquran.com/true-prayers-7-1
http://trueislamfromquran.com/true-prayers-7-2
http://trueislamfromquran.com/how-prophet-Mohamed-prayed-7-3
http://trueislamfromquran.com/true-prayers-jomoaa-7-4
http://trueislamfromquran.com/true-prayers-7-5
http://trueislamfromquran.com/true-prayers-ablutions-7-6
http://trueislamfromquran.com/true-prayers-faith-and-good-deeds-7-7

 

تكملة هذا الموضوع تجدونها في الجزء الثاني على هذا الرابط بعنوان: هل وصل القرءان الكريم إلينا كاملاً وغير محرف بالتواتر، ومن الّذي جمعه وكتبه؟ (2).

والسلام عليكم

37 Feb 20, 2017